النويري
53
نهاية الأرب في فنون الأدب
ابن أبي طالب ؟ قال : أنا ابن ابنه ؛ قلت : قلت فيك وفى أبيك أشتمهما ، فلما انقضى كلامي ، قال : أحسبك غريبا ؛ فقلت : أجل ؛ قال : فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال آسيناك أو إلى حاجة عاونّاك ؛ فانصرفت وما على الأرض أحبّ إلىّ منه . حدّث زياد عن مالك بن أنس قال : بعث إلىّ أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاوس ؛ فأتينا فدخلنا عليه ، فإذا هو جالس على فرش قد نضدت ، وبين يديه أنطاع قد بسطت ، وجلاوزة [ 1 ] بأيديهم السيوف يضربون بها الأعناق ، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا ، ثم أطرق عنا طويلا ، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس فقال : حدّثنى عن أبيك ؛ قال : نعم ، سمعت أبي يقول : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللَّه في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله » ؛ فأمسك ساعة ؛ قال مالك : فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأنى من دمه ؛ ثم التفت إليه أبو جعفر فقال : عظني يا بن طاوس ؛ قال : نعم يا أمير المؤمنين إن اللَّه تعالى يقول : * ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) * ؛ قال مالك : فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأنى دمه ؛ فأمسك ساعة حتى اسودّ ما بيننا وبيته ، ثم قال : يا بن طاوس ناولني هذه الدواة ؛ فأمسك ؛ فقال : ما يمنعك أن تناولنيها ؟ قال : أخشى أن تكتب بها معصية للَّه فأكون شريكك فيها ؛ فلما سمع ذلك قال : قوما عنّى ؛ فقال ابن طاوس : ذلك ما كنّا نبغي منذ اليوم . قال مالك : فما زلت أعرف لابن طاوس فضله .
--> [ 1 ] الجلاوزة جمع جلواز بكسر الجم : الشّرطى .